عبد القادر الجيلاني
90
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
وحمل أثقالها وأتباعها وأهلها ، وصارت عندك موهبة مكفاة مهناة منقاة مصفاة من الغش والخبث والغل والحقد والغضب والخيانة في الغيب ، فتكون لك مسخرة ، وهي وأهلها محمولة عنك مؤنتها ، مدفوعة عنك أذيتها ، وإن قدر منها ولد كان صالحا ذرية طيبة قرة عين . قال اللّه تعالى : وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ [ الأنبياء : الآية 90 ] ، وقال تعالى : هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [ الفرقان : الآية 74 ] ، وقال تعالى : وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [ مريم : الآية 6 ] فتكون هذه الدعوات التي في هذه الآيات معمولا بها مستجابة في حقك إن دعوت بها أو لم تدع ، إذ هي في محلها وأهلها ، وأولى من يعامل بهذه النعمة ويقابل بها من كان أهلا لهذه المنزلة ، وأقيم في هذا المقام وقدر له من الفضل والقرب هذا المقدار ، وكذلك إن قدر مجيء شيء من الدنيا وإقبالها لا يضر إذ ذاك ، فما هو قسمك منها فلا بد من تناوله وتصفيته لك بفعل اللّه عزّ وجلّ ، وورود الأمر يتناوله وأنت ممتثل للأمر مثاب على تناوله ، كما تثاب على فعل صلوات الفرض وصيام الفرض ، وتؤمر فيما ليس بقسمك منها بصرفه إلى أربابه من الأصحاب والجيران والإخوان المستحقين الفقراء منهم وأصحاب الأقسام على ما يقتضي الحال ، فالأحوال تكشفها وتميزها . ليس الخبر كالمعاينة ، فحينئذ تكون من أمرك على بيضاء نقية لا غبار عليها ولا تلبيس ولا تخليط ولا شك ولا ارتياب ، فالصبر الصبر ، الرضا الرضا ، حفظ الحال حفظ الحال ، الخمول الخمول ، الخمود الخمود السكوت السكوت ، الصموت الصموت ، الحذر الحذر ، النجا النجا ، الوحا الوحا ، اللّه اللّه ثم اللّه ، الإطراق الإطراق ، الإغماض الإغماض الحياء الحياء إن يبلغ الكتاب أجله ، فيؤخذ بيدك فتقدم وينزع عنك ما عليك ثم تغوص في بحار الفضائل والمنن والرحمة ثم تخرج منها فتخلع عليك خلع الأنوار والأسرار والعلوم والغرائب المدنية ، ثم تقرب وتحدث فيه بإعلام وإلهام وتكلم وتعطي وتغني وتشجع وترفع ، وتخاطب ب إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : الآية 54 ] فحينئذ اعتبر حالة يوسف الصديق عليه السلام حين خوطب بهذا الخطاب على لسان ملك مصر وعظيمها وفرعونها ، كان لسان الملك قائلا معبرا بهذا الخطاب والمخاطب هو اللّه عزّ وجلّ على لسان المعرفة ، سلم إليه المالك الظاهر وهو ملك مصر ، وملك النفس وملك المعرفة والعلم والقربة والخصوصية وعلو المنزلة عنده عزّ وجلّ . قال تعالى في ملك الملك : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ [ يوسف : الآية 21 ] أي في أرض مصر ،